أحمد مصطفى المراغي

53

تفسير المراغي

وبعد أن بيّن لهم جهلهم وسفههم ، بيّن لهم فساد ما طلبوه عسى أن تستعد عقولهم لفهمه واستبانة قبحه فقال : ( إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) أي إن هؤلاء القوم الذين يعكفون على هذه الأصنام مقضىّ على ما هم فيه بالتبار بما سيظهر من التوحيد الحق في هذه الديار ، وزائل ما كانوا يعملون من عبادة غير اللّه ذي الجلال ، فإنما بقاء الباطل في ترك الحق له وبعده عنه . وفي هذا بشارة منه عليه السلام بزوال الوثنية من تلك الأرض ، وقد حقق اللّه ما قال : ( قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ) أي قال لهم موسى : أأطلب لكم معبودا غير اللّه رب العالمين وخالق السماوات والأرض ، وقد فضلكم على العالمين بما جدد فيكم من التوحيد وهداية الدين ، فما ذا تبغون من عبادة غيره معه أو من دونه ؟ . والخلاصة - إن موسى بدأ جوابه لقومه بإثبات جهلهم بربهم وبأنفسهم ، وثنى ببيان فساد ما طلبوه وكونه عرضة للتبار والزوال لأنه باطل في نفسه ، ثم انتقل إلى بيان أن العبادة لغير اللّه لا تصح البتة سواء أكان المعبود أفضل المخلوقات كالملائكة والنبيين أو أخسها كالأصنام ؛ ثم أنكر عليهم أن يكون هو الوساطة في هذا الجعل الذي دعا إليه الجهل ، ليعلمهم أن طلب هذا الأمر المنكر منه عليه السلام جهل بمعنى رسالته ، وأيد إنكاره لكلا الأمرين بما يعرفون من فضل اللّه عليهم بتفضيلهم على أهل زمانهم ممن كانوا أرقى منهم مدنية وحضارة وسعة ملك وسيادة على بعض الشعوب ، وهم فرعون وقومه - برسالة موسى وهارون منهم وتجديد ملة إبراهيم فيهم وإيتائهما من الآيات ما تقدم ذكره . ثم ذكر سبحانه منته على بني إسرائيل فقال : ( وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) أي واذكروا إذ أنجيناكم بإرسال موسى وبما